|
شاركت في المسابقة التي أطلقتها جامعة أم القرى ضمن أنشطتها الثقافية تحت شعار (بالألوان) وفكرة الشعار نبعت من حرص العمادة على أن تكون الأنشطة الطلابية الثقافية بتنوعها مثل «فرشاة تلون حياة الطالبة والطالب وتقودهما لتحقيق المعاني والقيم النبيلة». وقد كانت هذه مشاركتي الأولى في كتابة القصة القصيرة وفي حال ظهرت النتائج سأخبركم هنا ^_^
………………………………………………………………………….. . . . وَوَقَفْتُ بَينَهُما
|
|
|
كنت أودع عامي التاسع عشر حين وجدتني برتابة أدوِّن في سجل ملاحظاتي:
(الواحدة مساءً
من يوم الجمعة
بتاريخ 22/1/1430 هـ
أستقبل عامي العشرين )….
وقتها تنكرت لكل شيء احتضنني طوال تلك السنوات, غرفتي المطموسة الملامح, دولاب مكتبتي العتيق, أدراجي الهرمة, ونافذة حاكيتها ذات مساء.
أحسست بإرهاق شديد, بدأت الأفكار تختلط علي وتنحدر باتجاه العدم !!
حتى صوتي العذب لم أعد أميز منه إلا بقايا حشرجات خنقتني فالتزمت الصمت .
خطوت ما اسطاعت قدماي خطوه, وألقيت بي على الأريكة, أغمضت عيني ببطء, وسحبت من داخلي.. نفساً عميقاً .. , حينها تسللت هواجس كادت تمزقني, حتى أني أحسست بقلبي يتحطم شيئا فشيئا وروحي تنتشل عنوة …
ربما يطرقون علي الباب الآن
ربما سأغادر الدنيا بعد قليل
ربما سأعيش طويلاً
سأغني, وربما سأنزف جرحاً لا يندمل أبداً
**
تنبهت على صوت باب غرفتي يفتح فجأة ..
وكعادة غيداء (ابنة عمي) لا تفتأ تستفزني بابتسامتها البلهاء, قالت لي بأن والدها ينتظرني في مكتبه ..
لكن دمعة من عيني لم تسقط حينما أخبرتها بأنني أردت مقابلة عمي منذ أسبوع, وأنه كان يرفض طلبي معتذرا بضيق الوقت, وعدم قدرته على لقائي بسبب أشغال العمل التي تحاصره, وكنت أكتم ألمي, وفي كل ضائقة كنت أدعوا الله أن يفرج همي ويزيل كربي..
بسرعة غير معتادة خرجت من غرفتي, وفي الطريق كدت أفقد صوابي حينما شاهدت انعكاس صورتي بالمرآة ,, كنت أبدو أكبر من عمري بكثير,, ملامحي بدأت بالانكماش, شعري الجذاب فقد حيويته, وجهي الطفولي و ابتسامتي الجميلة تحولت لتشكل مني إنساناً حزيناً مفتقدا لروح الأمل التي كنت أنشدها ..
لملمت ما تبقى مني وبدأت أتمرس على خلق ابتسامة مزيفة, فلو رآني عمي بحالتي هذه حتماً سيوبخني..
عمي راشد الذي سبق والدي بثمانية أعوام أخذني لأعيش في كنفه بعد أن أجبر والدي على طلاق والدتي التي كانت أسبانية الأصل وتعتنق المسيحية .
والدي الذي قرأت في ملامحه لسنوات عديدة حزناً وبؤساً دائمين لم أجرؤ يوماً أن أسأله عن والدتي خشية أن ينهار أو يصيبه مكروه , كل ما كنت أسمعه أنه لم يكن ينوي طلاقها وأن عمي أجبره على ذلك ,,
**
لطالما تأرجحت الكلمات على أطراف شفاهي, لكنها تهرب لحظة عناق والدي عندما يمر ليسلم علي كل أسبوع, وثمة صوت ينده بأعماقي عندما ألاقيه..
انغرست بداخلي نظرته الحنونة تلك, كنت أستشعر شفقته وحبه لي, عندما تلمس يداي دفء يديه كنت أحس بمشاعر الأبوة تجاهي, وقسراً كان يخفيها عني, وأحاول جاهدةً ابتلاع حزني في كل مرة يربت فيها على كتفي بعد أن يردد:(شيماء أنت قوية).
**
أعيش مع بنات عمي في هذا المنزل الموحش الذي فقدت فيه كل أمل في العثور على معنى الحياة التي أسعى لها .
عم لا يتفهم حقيقة مشاعري وما أعانيه من اضطراب بسبب تشتتي, ولا يعيرني أي اهتمام بتهمة أنني ابنة من امرأة مسيحية, وزوجته لا ترغب بوجودي إطلاقاً بينهم, وبنات عم يكدن لي كيدا لا أدري لم؟ ربما لأنني شقراء وذات عينين زرقاوين.. ربما!
ولكون والدي طياراً فقد فضل سكناي في بيت عمي بعد أن عُرضت عليه خدمة تربيتي..
**
طرقت الباب ودخلت, سلمت ثم وقفت أمام مكتبه وفي أعماق نفسي أسئلة تكاد تصرخ بوجهه تطلب منه الإفصاح, فحياتي التي أعيشها حياة لا أعرف منها سوى اسمها !
نظرت إلى عينية, والتي كلما نظرت إليها انتابتني قشعريرة تهز كياني, وقرأت فيها وجفا يضج في أعماقه!
ألقى إلي مغلفاً وقال لي: اعلمي بأنك مسئولة عن أي تصرف تقومين به ..
عدت لغرفتي وقد طفح وجهي بالاحمرار, كانت قواي خائرة وجسمي واهن, فتحت الرسالة وأنا أرجف, عندما التقت عيناي بأول حرف فيها أحسست بنفسي وكأنها المرة الأولى التي تهديني الدنيا فيها هواءها لأستنشقه بتأني …
كانت تلك أول أحرف تصلني منها …
ابنتي حبيبتي…. اشتقت إليك
لمخاطبتك…لمناجاتك …لهمساتك..لابتساماتك…
اشتقت إليك وبداخلي بركان ثائر يحمل حمماً من الألم و الحسرة و الخوف والقلق ..
هل أنت بخير؟ وهل أنفاسك بخير؟ ونبضاتك بخير؟ وقلبك الذي يسكن وجداني هل مازال يذكرني ؟
أرجوا أن تكوني بخير
والدتك
**
بكيت بشدة وانهالت دموعي من عيني, وعادت بي الذكريات لحضن احتواني خمسة سنوات وظل دفئه يتمدد في ذاكرتي المرهقة حتى تعبت..
أخذت أنظر في الرسالة .. أطلت النظر.. كلماتها تغلغلت داخل أعماقي, تشبثت بها كمن يرجو عيش تفاصيل حلم جميل, حلم طالما انتظره وها هو يمتطيه.
قبلتها برجاء أن تتبعها أخريات لأهنأ بصحبة تلك الكلمات الناعمة, كلمات دونتها فطرة أم .
ثمة شعور احتواني قبل أن أخبئها لتستقر في أعماقي و للأبد ..
أخذت أقلبها بين يدي وأنا أفتش عن أحرف سماوية تشكل سطر الوصول لعنوان قلبها.. وها أنا أستشفه بين ثنايا الورق وقد كُتب بخط صغير لا يكاد يقرأ :
M- mother@hotmail.com
قبل أن أمنح عيني نشوة مطالعته, بعث قلبي تنهيدة عميقة أطلق معها كل الأمنيات التي حُبست بداخله لسنوات.
لحظتها طرأت لي فكرة جنونية لا ادري كيف واتتني!
سارت بي قدامي إلى مكتب عمي, فتحت الباب ثم دلفت لمنتصف الغرفة وصارحته برغبة لطالما خبأتها عن الجميع منذ تنهدت وجع الغربة, ولم يخيل إلي يوماً أني سأفشي سراً خشيت منه على نفسي من نفسي فكيف بي أعلنه بين يدي عمي !
وكان رجائي: ( أرغب بمحادثة والدتي)
أرخيت عيني أرضاَ وكلي يقين أنه سيهمشني, غير أني لمست منه بعض استجابة عندما رمقني بنظرة وقال: لكني لا أحمل أي عنوان يوصلك لها!
ففاجأته بوجود عنوان أحمله, لأول مرة أتنبه إلى عمي وقد ارتسمت على محياه علامات شفقة, وقال لي بكلمة واحدة أيقنت معها بأن القلب مهما قسى لابد أن يأتي يوماً ويلين.
- اتصلي بها.
حينها أبصرت الفجر لأول مرة يبتسم لي,, بادلته الابتسامة,,
صمتت كل الأصوات وبقيت أتأمل الغيوم وحدي وأغني للأيام القادمة,,
كتبت أفكاري على مساحة بيضاء وانطلقت .
**
خمنت أنني في منتصف حلم حينما طربت لسماع صوتها , وخشيت أنني بمجرد انتهاء المكالمة سأفقدها ثانية!
لكن ما كان يحدث هو العكس تماماً فقد توالت اتصالاتي بوالدتي, وكان لا يمر يوماً دون سماعي صوتها ..
صوت الهاتف حين تتصل بي كان أشبه بترنيمة حب لا تنتهي
حكت لي وجع فقدي وحكيت لها معاناتي
حكت لي قصة اشتياقها وحكيت لها حجم عشقي
**
حدثت والدتي كثيراً عن الإسلام, راجية أن تهتدي إليه , فإحساسي بأن والدتي تدين بغير ديني كان يقلقني, أحسست أنها قد همشت فكرة الدخول فيه, وكنت قد خمنت أن طلاقها كان السبب وراء ذلك, فلم يكن الأمر سهلاً عليها, خاصة أنها قد أفصحت عن رغبتها لتدين بالإسلام لولا تدخل عمي وحسمه الأمر بالطلاق, بحجة أن الأبناء سيتشتتون بين ديانتين, وكان والدي لا يرفض لشقيقه الأكبر طلباً لأنه في مقام أبيه.
**
لحظ عمي التغير الذي اعتراني, فمستواي الدراسي بدأ بالتحسن وإصراري على أخذ الدرجات الأولى جعله يسلك طريقاً آخر في معاملتي, وبدأ يلين معي ويفخر بتواجدي بين بناته.
**
لم تنطفئ شمعة إصراري أبداً بالحديث مع والدتي عن الإسلام وشرحت لها وجة نظر عمي حينما اتخذ قرار طلاقكما وأن ذلك اجتهاد خاطئ منه.
ولم تمض عدة أشهر على حديثنا حتى فاجأتني و أسعدت قلبي بإعلانها الإسلام في المركز الإسلامي هناك.
يا للأقدار الجميلة كيف تتوالى دفعة واحدة !
وكأنما السماء فتحت أبوابها لتهب لي من جميل عطاياها.
**
أخبرت عمي بإسلام والدتي, وصوتي يحمل عبق الفرح
فبادلني شعوري ,,
حدثني يوماً عنها ,, ثم أمسك ,, لم يعد يحكي لي عنها ولا عن والدي !
**
في يوم إجازته استدعاني إلى مكتبه ,, غلفت حلمي بوجل ,, خشية أن يتبدد أو يقتل,,, وكنت أرجوا غير ذلك …
حين قابلته مد إلي بطاقة دعوة كان فحواها:
(ابنتي شيماء يسعدني حضورك حفل زفاف والدك (خالد) على والدتك (آنا) وذلك يوم الخميس القادم, فبارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما بخير)
**
في وسط حشد كبير اختلطت فيه أهازيج العرس بدموع فرحي استقبلت عامي الحادي والعشرين ..
(في نفس الليلة
الثانية مساءاً
من يوم الخميس
بتاريخ 22/1/1431هـ
أقف بين والديََّ)
**
عصفورة تغني الحب
وقلب يَطْرَب
وفكر سارح هناك
يحلم بدفء منزل وحضن يحتويه
|
انتهت.. |
**




